عبدالفتاح الجبـالى – الأهرام
تشهد أسواق العديد من السلع حاليا حالة من الإرتفاعات غير المبررة في معظم المنتجات عموما والسلع الغذائية على وجه الخصوص, وذلك بحجة زيادة الطلب في هذه الآونة مع قرب دخول شهر رمضان المبارك.
وذلك على الرغم من استقرار أسعار مدخلات الإنتاج وتحسن سعر صرف الجنيه المصري وكذلك نقص الإستهلاك وضعف الطلب.
وأصبح لدينا توليفة عجيبة من الأسعار القليل منها له أسس منطقية وعلمية مرتبطة بالتكلفة والعائد، والكثير منها مرتبط بالسلوك السائد بالأسواق.
وهو ما دفع الحكومة لفتح باب الإستيراد لبعض هذه السلع حتي يتم ضبط الأسواق.
فمع اتفاقنا الكامل بأن المؤسسات يجب أن تدار على أسس اقتصادية بما يضمن الحفاظ على الأموال المستثمرة وتطويرها، وهو ما يتطلب أن تبيع إنتاجها بأسعار اقتصادية وبهامش ربح مناسب، إلا أن ما يحدث بالسوق المصرية غير ذلك تماما.
وقد أصابت هذه السلوكيات التضخمية الأسواق بمزيد من الإرتباك، خاصة مع ازدياد الشعور بعدم اليقين في السياسات المستقبلية، وهو ما يغذى الضغوط التضخمية.
ويمكننا القول دون أدني تجاوز للحقيقة أن السلوك السائد حاليا يرجع إلى سيادة الإحتكارات التي تعد سمة أساسية من سمات السوق المصرية خاصة بعد أن امتدت بآثارها لتشمل معظم قطاعات الإقتصاد فالإحتكارات تعد احدى المثالب الأساسية لإقتصاد السوق.
بالإضافة إلى سيادة انطباع لدى البعض بأن اقتصاد السوق يعنى الحرية المطلقة لأصحاب الأعمال والتجار وغيرهما من اللاعبين الأساسيين في فرض سطوتهم على الأسواق والتحكم في الأسعار.
وهو غير صحيح على الإطلاق إذ أن المفهوم الصحيح لإقتصاد السوق يشير ببساطة إلى تفاعل قوى العرض والطلب في إطار مؤسسي وقانوني سليم يضمن عمل الأسواق بطريقة صحيحة وهو ما يتطلب وجود إطار مؤسسي قوى ينظم هذه العملية.
وبالتالي فإن نظام السوق له مقومات أساسية ورئيسية لابد من استيفائها حتى يحقق الغرض منه، فى مقدمتها وضع المؤسسات المناسبة لتحقيق الإنضباط والأطر التي تحمي حقوق كل الأطراف.
فعلى الرغم من أن آلية السوق وجهاز الثمن هما من أكفأ الآليات المحققة للنمو الإقتصادي، إلا أن اللجوء إليهما في كل الأمور، يعد أمرا من قبيل الجنون القاتل، على حد تعبير العالم الإقتصادي الفرنسي ميشيل بو.
حيث أثبتت الدراسات أن الأسواق تعاني اختلالات عديدة أكدها الكثيرون بشكل واضح صريح يعود بعضها إلى الأوضاع الإحتكارية، والتي تجعل السوق أقل قدرة على المنافسة أو أقل كفاءة.
وهنا تحفل معظم الكتابات الأساسية في علم الإقتصاد بالعديد من الدراسات التي تشير إلى الإحتكارات بإعتبارها إحدى المثالب الأساسية لنظام السوق، الأمر الذي دفع «جون ستيورات ميل» للقول إنه «إذا لم تتحقق فروض المنافسة الكاملة، يصبح من المستحيل قيام علم للاقتصاد».
بل إن «آدم سميت» نفسه يرى أن الإحتكارات والإمتيازات هما العدوان الرئيسيان اللذان يهددان عمل النظام الإقتصادي الجيد.
لذلك فإن محاربة الإحتكارات ضرورة أساسية للدولة ولن يتأتى ذلك إلا من خلال وجود أجهزة رقابية قوية تستطيع مواجهة الأفعال الضارة بالسوق, والتي تعوق قدرة الأطراف على اتخاذ قراراتهم وفقا للاعتبارات الإقتصادية وحدها.
وكذلك لمواجهة الآثار السلبية الناشئة عن الأفعال التي تهدف إلى الإضرار بالمستهلك أو الكيانات العاملة بالسوق. فيما اصطلح على تسميته بالوظيفة التنظيمية للدولة والتي تشتمل على منع الممارسات الإحتكارية والسيطرة عليها وحماية المستهلك.
ولا ينبغي النظر لهذه الرقابة على أنها تدخل في عمل الأسواق بالمعنى الذي يفقدها حرية المبادرة، وإنما الرقابة هدفها مواجهة الأفعال والتصرفات الضارة بالسوق.
ولا يمكن إنكار أن المستهلك في مصر يمثل أضعف حلقات التعامل، وأن هناك ضرورة لحمايته، وأساس ذلك أن المستهلك يمثل محور العملية الإقتصادية بالنظر إلى قيام اقتصاد السوق على مبدأ أساسي فحواه هو أن تخصيص الموارد بين أوجه النشاط الإقتصادي المختلفة تتم في التحليل الأخير وفقاً لرغبات المستهلك.
وبالتالي، فإن حماية المستهلك وتنظيم المنافسة من أهم أهداف الرقابة على الأسواق، ويمكن النظر إلى كل منهما على أنهما يهدفان، في التحليل الأخير، إلى تحقيق ذات الأهداف ومن خلال وسائل متشابهة.
ومن هنا أتت أهمية النظرة المشتركة لهما ضمن فاعليات الرقابة على الأسواق.
من هنا يجب العمل على ضبط إيقاع السوق وتفعيل الدور الرقابي الرسمي والشعبي من أجل حماية المواطن من أي أضرار قد يتعرض لها.
وكلها أمور لن تتأتى إلا عبر تنظيم السوق وضمان كفاءة آلية العرض والطلب بما يعنيه ذلك من توفير الظروف التي تجعل تفاعل العرض والطلب يتم فى إطار تنافسي حقيقي بعيدا عن الإحتكارات.
وهذا يعنى ببساطة إيجاد بيئة تنافسية تدفع للمزيد من الكفاءة فى الإنتاج مع ضمان عدالة التوزيع لثمار النمو.
في ضوء ما سبق أصبح من الضروري العمل على تنظيم الأسواق ومواجهة السلوك الإحتكاري وتفعيل دور الدولة لتعويض أوجه النقص.
وذلك عن طريق التدخل الواعي والذكي وضبط عملية السوق بما يجعله قادرا على العمل بكفاءة وفاعلية ويضمن توافر الظروف التي تجعل تفاعل العرض والطلب يتم في إطار حقيقي غير مصطنع، نابع من الإرادة الحقيقية للمتعاملين.
وهذا يعنى ببساطة إيجاد بيئة تنافسية تدفع للمزيد من الكفاءة فى الإنتاج مع ضمان عدالة التوزيع لثمار النمو. إذ أن السياسة الصحيحة هي التي تعمل على ضمان حصول المواطن على السلعة الجيدة بالأسعار المناسبة بما يحقق له مستوى معيشة لائقا.
جنبا إلى جنب مع العمل على مساندة الصناعة المحلية وتدعيم المنتج المصري وتشجيعه، وكلها أمور تصب فى النهاية لصالح المواطن وتساعد فى تهدئة الأسعار.
المصدر ؛ الأهرام




