توجت الحكومة المصرية جهودها في تطوير قطاع التكنولوجيا بتوقيع اتفاقيات ترخيص الطيف الترددي للمشغلين الأربعة بقيمة إجمالية بلغت 3.5 مليار دولار، في خطوة تهدف إلى إطلاق كامل إمكانات الجيل الخامس وتحسين جودة الخدمات الرقمية بشكل غير مسبوق. وتتضمن هذه الصفقة التاريخية، التي سُددت قيمتها بالكامل بالعملة الصعبة، إتاحة حيزات ترددية ضخمة تضاعف السعات المتاحة للشركات منذ نشأة القطاع، مما يضمن استيعاب الطلب المتزايد على البيانات ودفع عجلة التحول الرقمي تماشياً مع رؤية الدولة 2030 لتعزيز الاقتصاد القومي.
وتستند الاستراتيجية المصرية للطيف الترددي (2026-2030) إلى تنظيم هذا المورد الطبيعي لضمان أفضل استغلال للموجات اللاسلكية التي تنقل البيانات والمكالمات، حيث تهدف إلى رفع كفاءة الشبكات وتوسيع نطاق التغطية في كافة أنحاء الجمهورية. ويمثل الطيف الترددي “المادة الخام” لصناعة الاتصالات، وبدونه لا يمكن تشغيل تقنيات متطورة مثل المدن الذكية أو تطبيقات “إنترنت الأشياء”، لذا فإن إطلاق هذه الاستراتيجية يعد بمثابة شهادة ثقة في استقرار المناخ الاستثماري المصري وقدرة القطاع على استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية الكبرى لتعزيز البنية التحتية المعلوماتية.
ويُعرف الطيف الترددي بأنه نطاق من الموجات الكهرومغناطيسية التي تنتقل عبر الفضاء وتحمل المعلومات والبيانات اللاسلكية، حيث يُقسم إلى “حارات” أو قنوات ترددية مختلفة تستخدمها شبكات الراديو والتلفزيون والمحمول. فكلما اتسع هذا النطاق المخصص لشركة معينة، زادت قدرتها على نقل كميات أكبر من البيانات لعدد أضخم من المستخدمين في وقت واحد دون حدوث تداخل أو بطء، تماماً مثل زيادة عدد الحارات في طريق سريع لاستيعاب عدد أكبر من السيارات وتفادي الازدحام.
ويظهر التأثير المباشر على المستهلكين من خلال زيادة سرعات الإنترنت بشكل هائل وتقليل زمن الاستجابة، مما يوفر تجربة سلسة في خدمات البث والألعاب الإلكترونية والعمل عن بعد. أما على مستوى الشركات، فإن الترددات الجديدة تمنحها القدرة على التوسع في تقديم خدمات الجيل الخامس (5G) التي تدعم قطاعات الصناعة والصحة، مما يخفف الضغط عن الشبكات الحالية ويقضي على مشاكل التكدس المروري للإشارات اللاسلكية في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، وهو ما ينعكس إيجاباً على إنتاجية قطاع الاتصالات ككل.
وتأتي هذه التطورات في سياق نمو متسارع لقطاع الاتصالات المصري الذي بات يسهم بنسبة تزيد عن 6% في الناتج المحلي الإجمالي، مع وصول سرعات الإنترنت الثابت في مصر لمراتب متقدمة إقليمياً بفضل استثمارات في شبكات الألياف الضوئية. وقد نجحت الدولة في جذب كبرى الشركات العالمية لتصنيع الهواتف المحمولة محلياً، بجانب التوسع في مراكز البيانات الدولية التي تربط الشرق بالغرب عبر الكابلات البحرية المارة بالأراضي المصرية، مما يعزز من مكانة مصر كشريان رقمي عالمي.





