كتب : مصطفى مكي
حين تتحول رحلة المعتمرين إلى مشهد للفاجعة.. لا تكفي الإدانة، ولا يجوز أن يعتاد العالم مشاهد استهداف الأبرياء.
تبًّا للإرهاب، وللرصاص والصواريخ والمسيّرات التي لا تميّز بين عسكري ومدني، ولا تقيم وزنًا لحرمة الإنسان أو لقدسية الأماكن والمقاصد!
أيُّ جريمة هذه التي تستهدف مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وتحوّل لحظات الانتظار والاستعداد للسفر إلى مشاهد من الخوف والفجيعة؟ وأيُّ ذنب اقترفه الأبرياء الذين كانوا يستعدون لرحلتهم، ومن بينهم معتمرون يشدّون الرحال إلى مكة المكرمة، تلبيةً لنداء الله وابتغاءً لرضاه؟
في مشهد تختلط فيه مشاعر الحزن بالغضب، نقلت قناة «العربية» مشاهد لمعتمرين يستعدون للصعود إلى الطائرة، قبل الاعتداء الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي عصر السبت 10 أكتوبر 2026.
مشهد إنساني مؤلم، يكفي وحده لطرح السؤال الذي ينبغي أن يسمعه العالم: بأي حق يُروَّع الآمنون، وتُستهدف منشآت مدنية، ويُعرَّض المسافرون لخطر لا ذنب لهم فيه؟
وبحسب الهيئة العامة للطيران المدني السعودية، أسفر الاعتداء عن وفاة 12 شخصًا وإصابة 309 آخرين، بينهم مصابون بإصابات حرجة. أرقام تختصر حجم المأساة، لكنها لا تختصر وجع الأسر التي فقدت أحباءها، ولا معاناة المصابين، ولا الرعب الذي عاشه المسافرون في تلك اللحظات.
المملكة تخدم ضيوف الرحمن.. والإرهاب يهدد الآمنين
تستحق المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا، كل التقدير على ما تبذله من جهود وإمكانات لخدمة ضيوف الرحمن، وتيسير وصولهم إلى الحرمين الشريفين، وتوفير سبل الراحة والأمن والطمأنينة لهم. إنها مسؤولية عظيمة تضطلع بها المملكة على مدار العام، وتعمل مؤسساتها على تهيئة الظروف التي تمكّن المعتمرين والحجاج من أداء مناسكهم في أمن وسكينة.
ومن هنا تتضاعف فداحة الاعتداء على مطار مدني يستقبل المسافرين ويودّعهم، ومن بينهم من يقصدون أطهر بقاع الأرض. فالمسألة ليست مجرد استهداف لمنشأة حيوية، بل اعتداء على أمن المدنيين، وتهديد لسلامة المسافرين، ومحاولة لزرع الخوف في نفوس أناس لا يحملون سوى حقهم في السفر والعبادة والحياة الآمنة.
أما جماعة الحوثي، التي ارتبطت بهذه الهجمات وأعلنت مسؤوليتها عن ضربات استهدفت منشآت سعودية، فعليها أن تدرك أن استهداف المدنيين والمرافق المدنية لا يمكن تبريره بالشعارات أو الذرائع السياسية والعسكرية. فالقضية هنا تتعلق بأرواح بشرية، وبمبادئ إنسانية وقواعد قانونية لا يجوز القفز عليها.
الإدانة وحدها لا تكفي
لقد تجاوزت المأساة حدود الكلمات التي تُقال أمام الكاميرات، وبيانات الشجب التي تتكرر عقب كل اعتداء. المطلوب موقف دولي واضح ومسؤول، وإجراءات جادة تحول دون تكرار هذه الهجمات، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون، وتعزيز حماية المدنيين والمنشآت المدنية، بما يضمن ألا يصبح أمن المطارات والمسافرين رهينةً لهجمات عابرة للحدود.
إن الحزم المطلوب ليس دعوة إلى الانتقام أو إلى توسيع دائرة الدم، بل إلى حماية الأرواح، وردع الاعتداءات، وتطبيق القانون، ومنع الجماعات المسلحة من الاعتقاد بأن بإمكانها استهداف المدنيين ثم الاكتفاء بتبرير أفعالها.
وليس من المقبول أن تتحول رحلات المعتمرين إلى مشاهد خوف، أو أن يصبح المسافر الذي ينتظر موعد إقلاع طائرته مضطرًا إلى التفكير في احتمال ألا يعود إلى أسرته. فحق الإنسان في الأمن ليس امتيازًا تمنحه قوة مسلحة، بل حق أصيل يجب أن تصونه القوانين والمواثيق الدولية.
للمسلمين حرمة، وللأبرياء حق في الحياة
إن استهداف الآمنين لا يخدم الإسلام، ولا ينصر قضية، ولا يحقق كرامة شعب. والإسلام الذي يدعو إلى الرحمة وصون النفس لا يمكن أن يكون غطاءً لترويع المدنيين أو الاعتداء عليهم. ولا يجوز الخلط بين الدين وأفعال جماعة مسلحة، أو منح العنف شرعيةً باسم الشعارات الدينية.
رحم الله ضحايا الاعتداء، وشفى المصابين، وحفظ المملكة العربية السعودية وأهلها وضيوف الرحمن من كل سوء، وأدام على الحرمين الشريفين أمنهما وطمأنينتهما.
ويبقى السؤال الذي ينبغي ألا يصمت أمامه العالم: إلى متى يُترك المدنيون يدفعون ثمن الصراعات، وإلى متى تبقى الإدانة أسبق من الفعل؟
إن حماية الأبرياء ليست خيارًا سياسيًا، بل واجب إنساني وقانوني. وأمن ضيوف الرحمن خط أحمر، لا يجوز أن تمتد إليه يد الإرهاب.





