الكاتب الصحفي الكبير احمد بكير نشر على صفحته الشخصية على وسائل التواصل الإجتماعي 👇🏼
تشهد مصر حالياً تحولات لافتة، تتمثل في عودة مكثفة لعدد من الوجوه والرموز البارزة من عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، بعد سنوات طويلة من الغياب.
ويبدو لي أن مقدمات هذه العودة قد تم هندستها بعناية لتشمل ثلاث فئات رئيسية: الأولى ضمت وزراء ومسؤولين سابقين، مثل يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، وسامح فهمي، وزير البترول الأسبق، وحاتم الجبلي، وزير الصحة الأسبق، ومحمد نصر علام، وزير الرى والموارد المائية الأسبق. وضمت الفئة الثانية وجوهًا أكاديمية ومفكرين، مثل علي الدين هلال، وعبد المنعم سعيد، ومحمد كمال. كما ضمت الثالثة شخصيات مهمة فى مجال الصحافة والإعلام، مثل أسامة سرايا وعبد الرحيم على.
وأعتقد أن الوزراء السابقين نجحوا في تقديم شهاداتهم الفنية وتحليلاتهم لأزمات التضخم والدعم وسعر الصرف، بلغة الأرقام والخبرة. ونجح أسامة سرايا، برؤيته وجرأته، في إحداث حالة من الزخم، صعّدها من بعده عبد الرحيم علي، بما يمتلكه من معلومات لا تتاح للكثيرين. كما ملأت إطلالات على الدين هلال ومحمد كمال وعبد المنعم سعيد حيزًا ظل فراغًا لسنوات طويلة.
وتكشف العودة إلى هذه الأسماء عن أزمة أعمق يعيشها المجال العام، تتمثل فى فشل أو عجز بعض رجال السياسية والإعلام الحاليين فى الدفاع عن السياسات العامة بأسلوب مقنع. فقد اعتمد الخطاب الحالى، فى كثير من الأحيان، على الحماس والشعارات أكثر من اعتماده على الحجة والمنطق، الأمر الذى ـ ربما ـ دفع صانع القرار إلى البحث عن بدائل تمتلك الخبرة والكاريزما، للعودة إلى الواجهة ولو مؤقتًا.
وتبدو فرص نجاح هذه الاستراتيجية متفاوتة، فهى قد تحقق نجاحًا مؤقتًا فى جذب المشاهدات وخفض حدة الاحتقان من خلال الطرح المعلوماتى الهادئ ، لكنها قد تواجه اختباراً أصعب على المدى الطويل. فاستدعاء رموز الماضى قد يكون مُهدئاً أو مُسكنًا مؤقتًا يعالج أعراض الأزمة، لكنه لا يعالج جذورها وأسبابها. كما أن الإفراط فى الاعتماد على الوجوه القديمة قد يوسع الفجوة مع جيل الشباب، الذي قد ينظر إلى هذه العودة باعتبارها انسدادًا لآفاق التغيير، وتراجعًا عن إتاحة الفرصة أمام دماء جديدة تمتلك رؤى مختلفة وأدوات جديدة.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هؤلاء العائدين قد ملأوا ـ إلى حد كبير ـ فراغًا فى الخطاب السياسى والإعلامى، بما يمتلكونه من خبرات وقدرات هائلة على الحوار والتحليل الهادئ.
وعلى أى حال، لا يمكن أن يكون استدعاء الماضى برجاله هو الحل لاقتحام مشكلات الحاضر وتحديات المستقبل. فالحل الحقيقي للأزمة يكمن في إتاحة الحرية للصحافة والإعلام، وفتح المجال أمام الكفاءات لتثبيت أقدامها وإثبات قدرتها، بفكر جديد وأدوات جديدة تتناسب مع متغيرات العصر وتحدياته.
فالمجال العام لا يحتاج فقط إلى استعادة أصحاب الخبرة، وإنما يحتاج أيضًا إلى منح الفرصة لمن يستطيعون صناعة الخبرة الجديدة.





