منذ أن حدثت مشكلة أرقام المحمول المضروبة، منذ أسبوعين تقريبًا، وكتبتُ مقالي عنها يوم الخميس 13 أغسطس، ونُشر في عشر جهات مختلفة ومتعددة، ما بين مواقع إخبارية وصحف رقمية وورقية، وأنا أتابع عن كثب كل ما يُنشر في هذا الأمر حتى اليوم..
وملخص ما نُشر حتى الآن عن الخطوط المسجلة على أسماء أشخاص لا يعلمون بها، والحل البيومتري المقترح، هو الآتي:-
- تبدأ شركات المحمول تشغيل التحقق بالوجه تدريجيًا داخل فروعها، على أن يبدأ التطبيق على تعاقدات الخطوط الجديدة اعتبارًا من 10 سبتمبر المقبل..
- الهدف هو التأكد من أن الشخص الواقف أمام موظف البيع هو نفسه صاحب بطاقة الرقم القومي، فلا يكفي تقديم البطاقة وحدها أو صورة منها..
- في البداية سيُطبَّق النظام في نحو 1500 إلى 2000 نقطة بيع وفروع للشركات الأربع، ثم يتوسع تدريجيًا..
- لن يقتصر الأمر على بيع خط جديد، بل يمتد إلى الإجراءات المرتبطة بالخطوط القائمة، وأهمها نقل الملكية وتحديث البيانات، وفقًا لما تحدده القواعد التنظيمية..
- ستُستخدم أجهزة مخصصة في الفروع ونقاط البيع، مع فحص الكاميرات وأجهزة التقاط البصمة قبل التشغيل..
- صورة الوجه أو بياناته البيومترية لا تُخزَّن على أجهزة الموظفين أو داخل الفروع، بل تتم المطابقة فورًا من خلال اتصال آمن ومباشر مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات..
- الغرض الأساسي هو سد ثغرة تسجيل الخطوط باسم مواطنين دون علمهم، وتقليل الشكاوى ووقائع الإنابة أو التلاعب في التسجيل..
الخلاصة أن النظام لا يعالج المشكلة بمجرد تصوير الوجه، بل يجعل إصدار الخط أو تغيير مالكه مرتبطًا بحضور صاحبه والتحقق من وجهه مقابل هويته، مع ربط مركزي آمن.. وهذا يمنع المشكلة مستقبلًا بدرجة كبيرة، لكنه لا يكفي وحده لتسوية الخطوط القديمة المضروبة؛ فهذه تحتاج أيضًا إلى حملة مراجعة وتنقية وإخطار أصحاب الأرقام..
ثانيًا، تقنيًا: إن تصوير الوجه بهذه الطريقة البدائية لا يُعتبر مسحًا بيومتريًا دقيقًا؛ لأن المسح البيومتري يمر بمراحل وخطوات شديدة الدقة، أولها وأهمها نوع الكاميرا والعدسة، والزوايا، والبعد والمسافة، والألوان، ودرجة الوضوح..
ويضاف إلى ذلك عنصر بالغ الأهمية، وهو التحقق من الحيوية، أي التأكد من أن الصورة المأخوذة هي لشخص حي يقف أمامك، وليست صورة فوتوغرافية أو صورة بطاقة، أو صورة جرى التلاعب بها رقميًا وإلكترونيًا باستخدام برامج معالجة الصور..
وبالتالي، لا بد من وجود كاميرات محددة ذات مواصفات قياسية، معدة خصيصًا لهذا الغرض، في جميع منافذ التوزيع والبيع، وتكون قادرة على الربط المباشر بأجهزة الحاسبات والخوادم المركزية..
ثالثًا، أمنيًا: من أخطر الخطوات وأهمها تحديد المكان الذي ستُحفظ فيه الصور أو البيانات البيومترية.. هل سيجري الاحتفاظ بها على أجهزة موظفي البيع؟ أم تُرسل مباشرة إلى أجهزة الحاسبات في الفروع؟ أم تتصل بخوادم مركزية لدى شركات المحمول؟ أم بالجهاز القومي لتنظيم الاتصالات؟..
والسؤال هنا: أين الأمن والأمان والحماية في كل هذه المراحل، سواء كانت البيانات على هواتف البائعين في الفروع، أو على الحاسبات الشخصية للعاملين، أو على خوادم المراكز الرئيسية لشركات المحمول، أو حتى لدى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ووزارة الاتصالات؟..
رابعًا: والسؤال الأهم المتعلق بكل أدوات الحفظ هو: كيف سيتم تشفير البيانات في جميع هذه المراحل؟.. وذلك لمنع سرقتها أو تزويرها أو نسخها أو استخدامها لأي أغراض أخرى..
والتشفير، بالمناسبة، ليس مجرد إخفاء الصورة عن المواطن العادي، بل يجب أن تكون البيانات محفوظة في صورة رقمية مشفرة، مع عدم الاحتفاظ بصورة الوجه الأصلية، والأفضل تقنيًا أن تُستخدم قوالب بيومترية مشفرة للمطابقة، لا صور خام يمكن تداولها أو إساءة استخدامها..
خامسًا: من يضمن، وما هي الآلية التي تمنع تسرب الصور أو البيانات أثناء التقاطها في منافذ البيع، وأثناء انتقالها بين الأجهزة والشبكات والخوادم؟..
سادسًا: وهو سؤال أهم من سابقه: ما هي الآلية التي تحفظ قاعدة البيانات البيومترية لعشرات الملايين من العملاء على خوادم الشركات الأربع؟ وما الضمانة ألا تتسرب هذه البيانات، كما تسربت في السابق قواعد بيانات أرقام الهواتف إلى شركات التسويق المختلفة، وما زلنا نعاني من الإزعاج المستمر حتى الآن، بل والاتصالات التي ترد إلينا بأسمائنا؟..
إن قاعدة البيانات البيومترية هذه المرة ستكون أخطر بكثير؛ لأن رقم الهاتف يمكن تغييره، أما بصمة الوجه أو الأصابع أو العين فلا يمكن تغييرها..
سابعًا: ما هي الضمانات التي تمنع استخدام هذه البيانات في أغراض أخرى؟.. فقد سمعنا عن شاب حُكم عليه بالسجن بسبب خط مسجل باسمه وهو لا يستخدمه، واتُّهم في قضية لا علاقة له بها.. كما سمعنا عن وقائع استخدام بطاقات الهوية الشخصية لآباء الأطفال في الحصول على قروض، وأخيرًا استخدام خطوط المحمول كوسيلة احتيال لتحويل الأموال عبر «إنستا باي»..
إنني لا أذكر هذه المخاطر والأهوال لإثارة الرهبة والذعر والخوف أو لتأجيل ومنع استخدام التكنولوجيا الحديثة، بقدر ما أذكر المحاذير والإجراءات الأمنية ووسائل الحماية التي لا بد من اتباعها عند تنفيذ هذه التكنولوجيا؛ وإلا أصبحت مخاطرها أكبر من فوائدها..
ولذلك لا بد من اتخاذ جميع التدابير اللازمة لبناء هذه القواعد، وأنا أقترح الآتي:-
أولًا: لا بد من حملة قومية لبناء قاعدة بيانات شخصية متكاملة، يكون الرقم القومي أساسها، بعد توحيده بوصفه الرقم المرجعي في كل شيء، من التأمينات والمعاشات والضرائب والجمارك، إلى السجلات المختلفة للمواطنين ورجال الأعمال..
ثانيًا: لا بد من إنشاء قاعدة بيانات بيومترية للمواطنين، مرتبطة بشهادة الميلاد والرقم القومي، وتضم البيانات البيومترية للوجه والأصابع والعين والقزحية، من خلال حملة منظمة لتحديث بيانات المواطنين..
ثالثًا: إعداد أجهزة وخوادم ومراكز بيانات عملاقة، وتطبيقات وبرامج ونظم مخصصة لهذا الغرض، تكون مملوكة للدولة والجهات المختصة وحدها، مع السماح للجهات الأخرى بالاستعلام وفق ضوابط وصلاحيات دقيقة، لا بالاحتفاظ بنسخ من هذه البيانات..
رابعًا: أن يتم التحديث عند استخراج أو تجديد أو تعديل بطاقة الرقم القومي أو جواز السفر، وكذلك عند استخراج شهادات الميلاد الجديدة..
خامسًا: ربط مؤسسات الدولة، وفقًا للقانون والاحتياج الفعلي، بقواعد بيانات الهوية والبيانات البيومترية، لكل جهة تتعامل مع المواطنين، من البنوك والتأمينات والمعاشات والضرائب والعقارات، إلى شركات الاتصالات وخطوط المحمول..
سادسًا: وضع خطة زمنية لا تزيد على سنة لتحديث وبناء هذه البيانات وإنشائها على مستوى الجمهورية، على مراحل واقعية ومدروسة، مع إعلان الضوابط والجهات المسؤولة عن الحماية والمراجعة والمساءلة..
وأخيرًا، أريد أن أسأل شركات المحمول، ومن يدفعها إلى إنشاء قاعدة بيانات لصور العملاء: هل هذه الآلية، في صورتها المقترحة، ستوقف أو تقضي فعلًا على حالات الاستحواذ على خطوط المحمول دون ملكية حقيقية، أو استخدامها دون علم أصحابها؟..
وفي النهاية أقول، أود أن أقول وأردد مقولة “جون ستيوارت ميل”: “إن العلاج الجزئي للشر الكبير لا يأتي بنتيجة جزئية، بل إنه لا يأتي بنتيجة على الإطلاق”، وهنا أقصد أن العلاج الجزئي لبناء قواعد بيانات غير متكاملة أو منقوصة لن يأتي بالنتيجة الأفضل أو المثلى..
اللهم قد بلَّغت .. فاللهم اشهد ..





