تستهدف مصر تعزيز الرقابة على توزيع المنتجات البترولية من خلال منظومة إلكترونية جديدة لمتابعة عمليات تموين المركبات، في خطوة تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى حجم استهلاك قطاع التوك توك، الذي يضم نحو 4.711 مليون مركبة غير مرخصة، ويُقدر استهلاكها السنوي بنحو 4.61 مليار لتر من الوقود، بقيمة سوقية تصل إلى 95.66 مليار جنيه وفقًا لسعر بنزين 80 الحالي البالغ 20.75 جنيه للتر. ويعكس هذا الرقم حجم الوقود الذي تستهلكه هذه الشريحة من المركبات سنويًا، والفرصة المتاحة أمام الدولة لتحسين الرقابة على توزيعه والحد من تسريبه إلى الأسواق غير الرسمية.
ووضعت وزارة البترول والثروة المعدنية المنظومة الجديدة بالتنسيق مع وزارتي الداخلية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في إطار توجه الدولة نحو التحول الرقمي وتعزيز الحوكمة لمنع التلاعب والتهريب في منظومة توزيع المنتجات البترولية. وتعتمد المنظومة على قراءة وتجميع بيانات تموين المركبات من خلال الملصق الإلكتروني الصادر عن وحدات المرور، بما يسمح بمتابعة سلسلة إمداد الوقود منذ مراحل تداوله وحتى وصوله إلى المستهلك النهائي. وبدأ التشغيل التجريبي للمنظومة بمحافظة بورسعيد في الأول من نوفمبر 2026، لمدة شهر، لإتاحة الفرصة أمام أصحاب السيارات التي لم يسبق تركيب الملصق الإلكتروني لها لتوفيق أوضاعهم، إلى جانب استكمال تغطية محطات تموين السيارات بالمحافظة.
وتبرز أهمية المنظومة عند النظر إلى حجم أسطول التوك توك في مصر، إذ قال حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية وخبير استشاري البلديات الدولية، في تصريحات خاصة لموقع صدى البلد، إن عدد مركبات التوك توك يبلغ نحو 5 ملايين مركبة وفقًا لبيانات مجلس النواب، من بينها 4 ملايين و711 ألف مركبة غير مرخصة، مقابل 289 ألف مركبة مرخصة فقط وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وتمثل المركبات غير المرخصة بذلك نحو 94.2% من إجمالي الأسطول المقدر، ما يجعلها شريحة رئيسية في أي جهود تستهدف إحكام الرقابة على استهلاك الوقود.
وبالاستناد إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2021، يبلغ متوسط استهلاك التوك توك نحو 979 لترًا سنويًا، وهو ما يعني أن المركبات غير المرخصة وحدها تستهلك تقديريًا نحو 4.61 مليار لتر سنويًا. وباحتساب هذه الكمية وفق سعر بنزين 80 البالغ 20.75 جنيه للتر، تصل قيمتها إلى نحو 95.66 مليار جنيه سنويًا. ومع ذلك، فإن هذا الرقم يمثل القيمة السوقية التقديرية للوقود المستهلك، وليس حجم الوفر المالي المؤكد الذي ستحققه الدولة من تطبيق المنظومة، إذ يتوقف الوفر الفعلي على حجم التلاعب أو التسريب أو إعادة بيع الوقود بصورة غير مشروعة الذي ستنجح المنظومة في منعه.
ولا يعني تطبيق المنظومة بالضرورة منع جميع مركبات التوك توك غير المرخصة من التموين أو اختفاء استهلاكها بالكامل، وإنما يستهدف ربط عمليات صرف الوقود بالمركبات ومتابعة أنماط استهلاكها، بما يساعد على اكتشاف الحالات غير الطبيعية والحد من استغلال منظومة التوزيع في الحصول على كميات وقود تتجاوز الاحتياجات الفعلية. ومن ثم، فإن الأثر الاقتصادي المتوقع يرتبط بقدرة الدولة على منع تسريب الوقود إلى الأسواق غير الرسمية وتحسين كفاءة توزيعه، وليس بإلغاء كامل استهلاك المركبات غير المرخصة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في ظل الضغوط التي تواجهها مصر نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا والتوترات الإقليمية، والتي انعكست على فاتورة استيراد المنتجات البترولية والغاز الطبيعي واحتياجات الدولة من النقد الأجنبي. ففي مارس 2026، قال رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي إن فاتورة استيراد الطاقة ارتفعت إلى ما بين ضعفين وضعفين ونصف مستوياتها قبل اندلاع الصراع، فيما زادت تكلفة استيراد كميات الغاز الطبيعي نفسها من نحو 560 مليون دولار شهريًا إلى 1.65 مليار دولار. وبالتالي، فإن الحد من فاقد الوقود ومنع إعادة توجيهه بصورة غير مشروعة قد يساعدان في تقليل الاحتياجات الإضافية للاستيراد وتخفيف جزء من الأعباء المالية المرتبطة بتقلبات أسعار الطاقة الدولية.
وعلى مستوى الاستهلاك المحلي، بلغ متوسط استهلاك مصر السنوي من البنزين نحو 11.84 مليار لتر خلال العامين الماليين 2024/2025 و2025/2026. وبالمقارنة، يمثل الاستهلاك التقديري للتكاتك غير المرخصة، البالغ 4.61 مليار لتر سنويًا، حجمًا كبيرًا مقارنة بإجمالي الطلب المحلي على البنزين، مع ضرورة مراعاة أن تقدير استهلاك التوك توك يعتمد على متوسط بيانات عام 2021، وقد لا يعكس مستويات الاستهلاك الحالية أو توزيع أنواع الوقود المستخدمة بدقة.
وأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية أن المنظومة الجديدة لا ترتبط بتسعير المنتجات البترولية أو تحديد الكميات المنصرفة للمستهلكين، وإنما تستهدف توظيف الحلول التكنولوجية الحديثة في حوكمة إدارة وتداول الوقود، وتعزيز قدرات الرصد والرقابة والتفتيش، مع استمرار الوزارة في تلبية احتياجات المواطنين من المنتجات البترولية. وبذلك، يمثل المشروع خطوة نحو تحسين كفاءة إدارة موارد الطاقة في مصر، والحد من التسريب والتلاعب في عمليات التوزيع، بما قد يمنح الدولة مساحة أكبر للتعامل مع الضغوط الناتجة عن ارتفاع تكاليف الطاقة عالميًا.





