على صفحته الشخصية بوسائل التواصل الاجتماعي كتب الاستاذ الدكتور على الحفناوى
( بعد 120 سنة … تعد حادثة دنشواي واحدة من أبرز المحطات في تاريخ مصر الحديث، إذ مثلت تحولا جوهريا في علاقة المصريين بالاحتلال البريطاني، وأسهمت في إعادة تشكيل الوعي الوطني وبناء أسس الحركة السياسية المنظمة. وقد وقعت الحادثة في 13 يونيو 1906 بقرية دنشواي التابعة لمحافظة المنوفية، وجاءت نتائجها لتكشف طبيعة الحكم الاستعماري وتداعياته على المجتمع المصري.
ففي صباح يوم الحادث، وصل إلى قرية دنشواي عدد من الضباط البريطانيين بقصد صيد الحمام، وهو نشاط اعتاد عليه بعض أفراد الاحتلال في الريف المصري. كان الحمام بالنسبة لأهالي القرية مصدرا اقتصاديا مهما، إذ يربونه في أبراج خاصة ويعتمدون عليه في معيشتهم. ومع بدء الضباط إطلاق النار، نشب خلاف بينهم وبين الأهالي الذين اعتبروا الصيد اعتداء على ممتلكاتهم.
خلال الاشتباك، ونتيجة لطلق ناري، اندلع حريق في أحد الأجران، كما أصيبت امرأة من القرية، بينما فر الضباط في اتجاهات مختلفة. وقد توفي أحدهم لاحقا نتيجة ضربة شمس أثناء محاولته العودة إلى مركزه، إلا أن سلطات الاحتلال اعتبرت الوفاة “قتلا عمدا”، وهو ما شكل الأساس القانوني لمحاكمة الأهالي.
عقدت محكمة استثنائية في دنشواي، ضمت قضاة مصريين تحت الإشراف المباشر للسلطات البريطانية. جاءت إجراءات المحاكمة سريعة ومشددة، وانتهت بإصدار أحكام قاسية شملت:
- إعدام أربعة من أهالي دنشواي شنقا
- السجن المؤبد لعدد من المتهمين
- الجلد العلني لآخرين أمام الأهالي
وقد نفذت أحكام الإعدام في القرية نفسها، في مشهد أرادت منه السلطات الاستعمارية ترسيخ هيبتها، لكنه خلّف أثرا عميقا في الوجدان الوطني.
أثارت الأحكام موجة واسعة من الاستنكار في الأوساط المصرية، وبرز دور الصحافة الوطنية في تناول القضية، كما لعب الزعيم مصطفى كامل دورا محوريا في تدويل الحادثة عبر الصحافة الأوروبية، مسلطا الضوء على قسوة الاحتلال البريطاني. وقد أسهمت هذه الجهود في تعزيز الوعي السياسي لدى المصريين، وفي دفع الحركة الوطنية نحو مزيد من التنظيم.

أدت حادثة دنشواي إلى تغييرات ملموسة في المشهد السياسي المصري، أبرزها:
- عزل اللورد كرومر بعد أكثر من عقدين من السيطرة على الإدارة المصرية.
- تأسيس الحزب الوطني عام 1907 كأول تنظيم سياسي جماهيري منظم.
- اتساع قاعدة المشاركة الشعبية في العمل الوطني، وانتقال القضية الوطنية من النخبة إلى عموم المصريين.
كما أصبحت دنشواي رمزا للظلم الاستعماري، ومثالا يستعاد في الدراسات التاريخية لتوضيح طبيعة العلاقة بين الاحتلال والشعوب الخاضعة له.
تظل حادثة دنشواي حدثا مفصليا في تاريخ مصر الحديث، إذ مثلت نقطة تحول في مسار الحركة الوطنية، وأسهمت في بلورة الوعي الجماعي بضرورة مقاومة الاحتلال والسعي نحو الاستقلال.
وقد بقيت وقائعها محفوظة في الذاكرة الوطنية بوصفها شاهدا على مرحلة حاسمة من تاريخ البلاد. )





