بقلم: مصطفى مكي
في السادس من أكتوبر عام 1973، لم يكن التاريخ يكتب صفحة جديدة في سجل العسكرية المصرية فحسب، وإنما كان العرب أمام لحظة فارقة أعادت إلى الذاكرة معنى الإرادة والقدرة على استعادة المبادرة بعد سنوات من آثار هزيمة 1967.
وبعد 53 عامًا، تظل حرب أكتوبر واحدة من أكثر اللحظات حضورًا في الوجدان المصري والعربي، ليس فقط بما تحقق على أرض المعركة، وإنما بما كشفته من قدرة على التخطيط وإدارة المعركة، وبما أظهرته من صور للتضامن العربي سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.
السادات.. قرار الحرب وتوقيت الضربة
كان الرئيس المصري محمد أنور السادات أمام قرار بالغ الصعوبة. فالحرب لم تكن مجرد اختيار لموعد عسكري، وإنما كانت قرارًا سياسيًا واستراتيجيًا يحتاج إلى حسابات دقيقة، وإلى الحفاظ على عنصر المفاجأة حتى اللحظة الأخيرة.
وجاءت ساعة الصفر في الثانية من بعد ظهر السادس من أكتوبر 1973، في توقيت اختير بعناية، لتبدأ القوات المصرية هجومها بالتزامن مع الهجوم السوري على الجبهة السورية.
وفي مقدمة المشهد كانت القوات الجوية المصرية، التي كان يقودها آنذاك اللواء محمد حسني مبارك، قائد القوات الجوية، حيث شاركت نحو 220 طائرة مصرية في الضربة الجوية الأولى، التي استهدفت مواقع ومنشآت عسكرية إسرائيلية في سيناء. وتؤكد مصادر تاريخية أن الضربة بدأت في الساعة الثانية ظهرًا، واستهدفت مطارات ومراكز قيادة ومواقع مدفعية وصواريخ ومنشآت أخرى جرى تحديدها مسبقًا. (Испытатели)
كانت ضربة مباغتة أربكت الحسابات الإسرائيلية، ومهدت الطريق أمام بدء العبور الكبير لقوات الجيش المصري.
وقد وصف مبارك نفسه، في شهادات لاحقة، الضربة الأولى بأنها حققت أهدافها بنجاح، مؤكدًا أهمية عنصر المفاجأة في الخطة المصرية. (Ahram Online)
من السماء إلى القناة.. معركة شاركت فيها كل الأسلحة
لكن اختزال نصر أكتوبر في الضربة الجوية وحدها لا يعكس حقيقة المعركة.
فالضربة الجوية كانت افتتاحًا لخطة عسكرية متكاملة، شاركت فيها المدفعية بكثافة، ثم تقدمت قوات المشاة لعبور قناة السويس وتثبيت رؤوس الكباري شرق القناة، بينما تولت وحدات المهندسين العسكريين مهمة فتح الثغرات في الساتر الترابي وإقامة الكباري والمعديات لعبور الدبابات والمعدات.
وفي الوقت نفسه، كان الدفاع الجوي يؤدي دوره في حماية القوات والمواقع الحيوية، بينما شاركت القوات البحرية في تأمين الجبهة والعمليات البحرية وفرض التهديد على الجانب الإسرائيلي.
كانت معركة متكاملة، لم يصنعها سلاح واحد، وإنما صنعتها منظومة عسكرية تحركت في توقيت واحد وفق خطة واحدة.
مفاجأة قاسية على الجانب الإسرائيلي
كانت إسرائيل تعتمد بدرجة كبيرة على منظومة تحصينات خط بارليف وعلى تصور أن عبور قناة السويس وإقامة رؤوس جسور مصرية في سيناء سيكون أمرًا بالغ الصعوبة.
لكن الساعات الأولى من الحرب حملت مفاجأة كبيرة.
فقد عبرت القوات المصرية القناة، وبدأت في تثبيت مواقعها شرقها، في الوقت الذي تعرضت فيه المواقع الإسرائيلية لضربات جوية ومدفعية مكثفة.
ولم تكن المفاجأة في حجم النيران فقط، وإنما في أن الهجوم جاء في توقيت لم تكن القيادة الإسرائيلية تتوقعه، وبخطة حافظت على السرية حتى لحظة التنفيذ.
وهكذا انتقلت المبادرة في بداية الحرب إلى القوات العربية، وتكبد الجانب الإسرائيلي خسائر في الطائرات والدبابات والمواقع العسكرية خلال الأيام الأولى للقتال.
بومدين والسلاح السوفيتي.. موقف عربي في لحظة حرجة
ومن أهم الصفحات التي تستحق التوقف عندها في ذكرى أكتوبر، الدور الذي لعبه الرئيس الجزائري هواري بومدين في دعم مصر.
فمع اندلاع الحرب، جرت اتصالات بين الرئيس السادات والرئيس بومدين بشأن احتياجات مصر العسكرية، وفي مقدمتها السلاح والذخائر.
وتشير شهادات وروايات تاريخية إلى أن السادات أبلغ بومدين بأن الاتحاد السوفيتي كان يتشدد في مسألة توريد بعض الأسلحة والمعدات، وأن موسكو طلبت الدفع النقدي بدلًا من الترتيبات السابقة التي كانت تقوم في بعض الحالات على المقايضة أو التسهيلات.
وبحسب رواية منسوبة إلى كاميليا السادات، ابنة الرئيس الراحل، أبلغ السادات بومدين بأن الروس يطالبون بالدفع نقدًا مقابل السلاح، وأن بومدين تحرك بصورة عاجلة، ثم أبلغه بأنه فتح الإمكانات المالية الجزائرية لتوفير ما تحتاجه مصر من معدات. (مجلة اكتوبر)
وتذكر مصادر تاريخية أخرى أن بومدين توجه إلى موسكو خلال الحرب، وأن الجزائر دفعت نحو 200 مليون دولار لشراء أسلحة وتجهيزات عسكرية، خُصص نصفها لمصر والنصف الآخر لسوريا، مع طلب الإسراع في توريدها. (DSpace Repository)
وهنا تظهر أهمية الموقف الجزائري؛ فبومدين لم يكتفِ بإعلان الدعم السياسي، وإنما تحرك في اتجاه توفير التمويل اللازم لتسريع الحصول على السلاح في لحظة كانت فيها احتياجات الجبهة العربية تتزايد.
وفي المقابل، تؤكد الوثائق الأمريكية أن الاتحاد السوفيتي قام خلال الحرب بإعادة إمداد مصر وسوريا بالسلاح، بما في ذلك الطائرات والدبابات وأنظمة الدفاع الجوي، في الوقت الذي أقامت فيه الولايات المتحدة جسرًا جويًا لإعادة إمداد إسرائيل. (Wikimedia Commons)
ومن ثم، فإن قصة السلاح السوفيتي في أكتوبر لم تكن قصة رفض مطلق للتوريد، وإنما كانت أيضًا قصة تفاوض وضغوط ومطالب مالية وسعي عربي لتأمين الإمدادات العسكرية في أسرع وقت.
الملك فيصل.. النفط يدخل المعركة
أما المملكة العربية السعودية، فكان موقفها أحد أبرز أوجه التضامن العربي خلال حرب أكتوبر.
فقد استخدمت المملكة، بقيادة الملك فيصل بن عبدالعزيز، ثقلها النفطي في إطار الموقف العربي تجاه الدعم الأمريكي لإسرائيل.
وفي أكتوبر 1973، اتخذت الدول العربية المنتجة للنفط إجراءات لخفض الإمدادات عن الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية، وأعلنت السعودية وقف صادرات النفط إلى الولايات المتحدة في 20 أكتوبر، لتتحول الطاقة إلى أحد أهم عناصر الضغط السياسي والاقتصادي في الأزمة. (مجلة اكتوبر)
وبذلك لم تقتصر معركة أكتوبر على الجبهة العسكرية؛ فقد امتدت إلى الاقتصاد والطاقة والسياسة الدولية.
الجزائر.. الدم والسلاح والمال
وكانت الجزائر من الدول العربية التي قدمت دعمًا عسكريًا مباشرًا لمصر.
فإلى جانب الدعم المالي، أرسلت الجزائر طائرات ومعدات وقوات للمشاركة في الحرب، وشكلت مشاركتها أحد أبرز مظاهر التضامن العربي العملي.
وتشير مصادر تاريخية إلى مشاركة طائرات جزائرية من طرازات مختلفة، وإرسال قوات ومعدات مدرعة إلى مصر، فضلًا عن الدعم المالي الموجه لشراء الأسلحة. (Wikipedia)
وهكذا ظهر التضامن العربي في أكتوبر بأكثر من صورة: جندي عربي على الجبهة، وسلاح يصل إلى الميدان، وأموال تُخصص لتأمين الاحتياجات العسكرية، ونفط يتحول إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية.
أكتوبر.. من معركة عسكرية إلى لحظة عربية فارقة
بعد 53 عامًا، تظل حرب أكتوبر أكثر من مجرد ذكرى عسكرية.
فهي لحظة اجتمعت فيها الإرادة السياسية المصرية مع التخطيط العسكري، وتكاملت فيها أفرع القوات المسلحة، وظهرت فيها مواقف عربية تجاوزت البيانات والتصريحات إلى الدعم الفعلي.
كان هناك الجيش المصري على ضفة القناة، والجيش السوري على الجبهة الشمالية، والجزائر تقدم السلاح والمال والمقاتلين، والمملكة العربية السعودية تستخدم وزنها النفطي والسياسي، ودول عربية أخرى تقدم أشكالًا متعددة من الدعم.
وفي الخلفية كانت الحرب جزءًا من صراع دولي أكبر بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وهو ما جعل الشرق الأوسط في أكتوبر 1973 مركزًا للاهتمام الدولي.
53 عامًا.. ماذا بقي من أكتوبر؟
ربما يبقى أهم ما تركته حرب أكتوبر في الذاكرة المصرية والعربية هو استعادة الثقة في القدرة على الفعل.
فبعد سنوات من آثار 1967، جاءت أكتوبر لتقول إن الهزيمة ليست نهاية التاريخ، وإن إعادة بناء القوات، وإعداد الخطة، واختيار التوقيت، والحفاظ على عنصر المفاجأة، وتوحيد الجهود، يمكن أن تغير موازين الميدان.
وفي ذكراها الثالثة والخمسين، لا تستعاد أكتوبر باعتبارها مناسبة للاحتفال فقط، وإنما باعتبارها تجربة تاريخية تستحق القراءة من جديد.
تجربة بدأت بقرار اتخذه الرئيس أنور السادات، وتحول إلى خطة عسكرية نفذتها القوات المسلحة المصرية، بدأت بضربة جوية قادها اللواء محمد حسني مبارك وقوامها نحو 220 طائرة، ثم تبعها عبور القوات والمدفعية والمشاة والهندسة العسكرية والدفاع الجوي والقوات البحرية، قبل أن تمتد المعركة إلى ساحات السياسة والاقتصاد والطاقة.
إنها ذكرى جيل خاض معركة من أجل استعادة الأرض والكرامة، وذكرى شهداء ومقاتلين حملوا مسؤولية وطنهم في أصعب اللحظات.
وبعد أكثر من نصف قرن، يبقى السادس من أكتوبر شاهدًا على أن التاريخ تصنعه الإرادة حين تتحول إلى قرار، والقرار حين يتحول إلى خطة، والخطة حين تجد رجالًا قادرين على تنفيذها.
في الذكرى الثالثة والخمسين لنصر أكتوبر، تحية إلى شهداء مصر وأبطال قواتها المسلحة، وإلى كل من أسهم في صناعة ذلك اليوم، وإلى المواقف العربية التي جعلت من أكتوبر لحظة مصرية وعربية فارقة في التاريخ الحديث.





